محمد أبو زهرة

177

المعجزة الكبرى القرآن

من الحيض ، ومن لم تره وهي ثلاثة أشهر ، ثم يبين عدة الحامل ، بعد أن بين عدة الحائل هنا ، ويقول لنفوس محرجة آسفة حزينة عرفت الحاضر ، والماضي قد فات إن خيرا وإن شرا ، وهي تجهل القابل فهي تجهل ما يطويه ، فيقول سبحانه : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً [ الطلاق : 4 ] . ويذكر سبحانه وتعالى وجوب النفقة في مواضع وجوبها ، وأحوال وجوبها ، والإرضاع ، ووجوبه ، ثم يبين مقدار الواجب ، على أن يكون على قدر طاقته ، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً [ الطلاق : 7 ] . وهكذا نجد العبارات القرآنية السامية فيها طمأنة النفس على ما يطويه المستقبل ، فيجعل لهم رجاء بمخرج يخرجهم ، أو يجعل من أمره يسرا ، وإن هذا النوع من القول هو الذي يقال عندما تتأزم النفوس ، وتقطع العلاقات بعد ود كان دائما أو كان يرجى له الاستمرار ، ويشترط لتحقيق ذلك الأمر الذي فرج اللّه به الكروب التقوى والعمل الصالح ، وإن هذين إذا تحققا في تلك الحال طابت النفوس ورضيت بالواقع إن لم يكن منه مناص وغيرته بالإيمان إن كان ثمة محل للتغيير . وإن هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم ، ليعلم الذين يرون أسرة قد ضاقت صدور أهلها حرجا ، واستولى عليها من الحياة الزوجية الصالحة يأس وغلبت شدتها ، وذهب رخاؤها أن يفتح باب الرجاء فيها بعد إغلاق الآمال ، وأن يكون ميسرا ، ولا يكون معسرا ، وأن يكون مبشرا ، ولا يكون منفرا . وإن تلك النصوص القرآنية السامية تجد فيها البلاغة التي تصل إلى أعلى الدرجات في ذاتها لا في نسبتها ، فابتدأ اللّه تعالى الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، ثم خاطب المسلمين من بعد مواجهته ، وخوطبوا بالجمع للإشارة إلى تكافل جمعهم ، وتضافرهم وتعاونهم على البر والتقوى في المواطن الحرجة ، والاستعانة بالمشورة والرأي ، وقد أمر بالرفق بالمرأة ، فلا يطلقها إلا وهي متصلة بحالة العدة ، لكيلا يرهقها بإطالتها ، فتكون بين اليأس والرجاء في قلق نفسي ، وهكذا استمرت الأحكام الرفيقة تبين الآيات منها حكما بعد حكم . وجمال التعبير يشرق دائما ، وحلاوة النغم تنساب في النفس انسياب النمير العذب ، كما تنطلق الأحكام إلى العقل والقلب في اتعاظ واعتبار واهتداء إلى الحق وفي انسجام فكرى . وإذا كان سرد الأحكام وخصوصا في موضع دقيق كأحكام الأسرة يكون بادي الرأي في كلام الناس جافا غير مشرق ، فإن ذلك في كلام الناس ، أما في كلام اللّه تعالى فإنه مشرق طيب الأعراق ، واضح القسمات في نغم هادئ يطب للقلوب جفاءها ،